العلماء يرسمون خريطة لمعالجة الخلايا العصبية الفردية للشم في دراسة بشرية رائدة
لأول مرة في التاريخ، نجح الباحثون في تسجيل نشاط الخلايا العصبية الفردية لدى بشر مستيقظين أثناء تعاملهم مع روائح مختلفة، مما وفّر رؤى غير مسبوقة حول أحد أكثر حواسنا غموضًا. هذه الدراسة الرائدة، التي نُشرت في مجلة Nature، سدت الفجوات البحثية التي استمرت لعقود بين دراسات الحيوانات وفهم الشم البشري.
تقنيات تسجيل ثورية تكشف أسرار الشم العصبي
قاد الفريق البحثي، بقيادة علماء من مستشفى جامعة بون، استخدام تقنيات تسجيل متطورة لمراقبة نشاط الخلايا العصبية الواحدة في القشرة الشمية (piriform cortex) والفص الصدغي الوسطي (medial temporal lobe) للمشاركين البشر الواعيين. أثناء قيام المتطوعين بمهام تقييم وتحديد الروائح، التقط الباحثون نمط إطلاق النيران العصبية في الوقت الحقيقي عبر عدة مناطق دماغية تشمل القشرة الشمية، اللوزة (amygdala)، القشرة المتناسلية (entorhinal cortex)، والقرن الأمامي (hippocampus).
ما وجدوه كان كفريق أوركسترا عصبي متقن: كل منطقة دماغية لها دور مميز في معالجة الشم. الخلايا العصبية في القشرة الشمية تشفر الهوية الكيميائية للروائح، كأنها «بصمة الشم» للدماغ. وفي الوقت نفسه، الخلايا العصبية في القرن الأمامي تعكس الإدراك الذاتي للروائح وتُظهر مدى قدرة المشاركين على التعرف على روائح معينة.
ما وراء اكتشاف الرائحة البسيط: دمج متعدد الحواس
المفاجأة الكبرى كانت أن معالجة الشم في الدماغ البشري لا تقتصر على اكتشاف الروائح فقط. استجابت الخلايا العصبية في القشرة الشمية ليس فقط للروائح الفعلية، بل أيضاً للصور المرتبطة بهذه الروائح، ما يكشف عن نظام معالجة متعدد الحواس يدمج المعلومات البصرية والشمية.
أظهرت اللوزة سلوكًا خاصًا جذابًا: شفرّت خلاياها القيمة العاطفية للروائح — سواء كان المتلقون يجدونها ممتعة أم غير سارة. يفسّر هذا الترميز العاطفي سبب قدرة الروائح على إثارة استجابات عاطفية قوية وذكريات حية.
انعكاسات على فهم الإدراك البشري
كشفت الدراسة أيضًا أن التعرض المتكرر لنفس الرائحة يؤدي إلى خفض معدلات إطلاق النيران لدى الخلايا، مظهرةً ظاهرة القمع المركزي بسبب التكرار والتعوّد على المستوى الخلوي الفردي. يوضح ذلك السبب البيولوجي لتقلّص وعينا للروائح المستمرة بمرور الوقت، من رائحة القهوة في المطبخ إلى عبق عطرنا المفضّل.
ومن أكثر الاكتشافات إثارة أن الباحثين عَرَفوا خلايا تستجيب لتواصَلٍ بين الرائحة والصورة ذات الصلة معنويًا — ما يمكن تشبيهه «خلايا المفهوم» للشم. تشير هذه النتائج إلى أن الشم البشري لا يعمل كجهاز كيميائي فحسب، بل كشبكة ترميز مفهومي تجمع بين الحواس المتعددة والمعاني التجريدية.
إن هذا البحث الرائد يفتح آفاقًا جديدة لفهم اضطرابات معالجة الحواس، وتطوير علاجات للحالات المرتبطة بالشم، وتعميق معرفتنا الأساسية حول كيفية بناء الدماغ البشري لتجربتنا الحسية الغنية للعالم.